أكد المهندس ماير جرجس، الخبير الهندسي و العقاري، أن تطوير منظومة البناء يستوجب الجمع بين تبسيط إجراءات الترخيص ومراجعة الضوابط العمرانية، محذرًا من أن العودة إلى القواعد السابقة دون تقييم آثارها قد تعيد إنتاج مشكلات التكدس السكاني والضغط على المرافق والخدمات.
وأوضح جرجس، في تعليقه على ما يُثار بشأن العودة إلى أحكام قانون البناء رقم ١١٩ لسنة ٢٠٠٨، والحديث عن السماح بارتفاعات تعادل مرة ونصف عرض الشارع، أن اختزال تحديد الارتفاع في عرض الشارع وحده لا يكفي لاتخاذ قرار عمراني يترتب عليه زيادة أعداد السكان والوحدات داخل المنطقة.
وقال: «قد يسمح عرض الشارع بارتفاع معين، بينما لا تتحمل شبكات المياه والصرف الصحي أو الخدمات المحيطة الكثافة الناتجة عنه. لذلك يجب أن يرتبط تحديد الارتفاع بدراسة متكاملة لقدرة المنطقة على الاستيعاب، مع مراعاة المخططات والاشتراطات المعتمدة لكل موقع».
وأشار إلى أن السماح بزيادة الكثافات داخل الكتل العمرانية القائمة، دون ربطها بصورة كافية بالطاقة الاستيعابية للمرافق والخدمات، يُعد من وجهة نظره أحد العوامل التي أسهمت في اختلال توزيع السكان، موضحًا أن هذه المشكلة نتاج تراكمات تشريعية وتخطيطية وتنفيذية واقتصادية، ولا يمكن إرجاعها إلى قانون واحد وحده.
وأضاف أن التوسع الرأسي غير المدروس داخل المناطق المكتظة قد يضعف الحافز على الانتقال والاستثمار في المدن الجديدة، ويحد من الاستفادة المستهدفة من التوسع الأفقي المخطط، مؤكدًا أن تنمية هذه المدن يجب أن تتكامل مع توفير فرص العمل والنقل والخدمات والسكن الملائم لجذب السكان إليها.
وشدد جرجس على أن معالجة بطء التراخيص لا تستلزم إعادة تطبيق القواعد القديمة دون تطوير، قائلًا: «المفترض أن يتقدم التشريع إلى الأمام، ويستفيد من التجربة ويصحح أوجه القصور. وإذا كانت المشكلة في تعقيد الإجراءات، فإن الأولوية يجب أن تكون لإصلاح الإجراءات وتسريعها، مع الحفاظ على ضوابط التخطيط وجودة العمران».
وطالب بتوحيد متطلبات استخراج التراخيص، وتقليل تعدد جهات المراجعة، ومنع تكرار طلب المستندات، وتحديد مدد واضحة للبت في الطلبات، إلى جانب إتاحة المتابعة الإلكترونية وتوضيح أسباب الرفض أو التأخير، بما يعزز الشفافية ويمنح المواطنين والمستثمرين رؤية واضحة لمسار الترخيص.
كما دعا إلى إعداد تصنيف تخطيطي معلن يحدد المناطق والحالات التي تقبل زيادة الارتفاعات، وفقًا لقدرة المرافق وشبكات الطرق وتوافر الخدمات ومواقف السيارات، مع الالتزام باشتراطات الحماية المدنية والإضاءة والتهوية وحماية المباني والمناطق ذات القيمة التراثية.
وأوضح أن تعلية المباني القائمة تستوجب التحقق من سلامتها الإنشائية وقدرة الأساسات والعناصر الحاملة على استيعاب الأحمال الإضافية، مؤكدًا أن توافر الاشتراطات التخطيطية لا يغني عن التقييم الهندسي لكل مبنى.
وأضاف: «هناك مناطق يمكن أن تستوعب ارتفاعات أكبر ضمن تخطيط مدروس، وأخرى تحتاج إلى تثبيت كثافتها وتحسين خدماتها. ومن ثم، فإن تطبيق معيار واحد على مناطق مختلفة في طبيعتها وإمكاناتها قد يضاعف المشكلات بدلًا من حلها».
واختتم جرجس تصريحاته بالتأكيد على أن تنشيط قطاع البناء والاستثمار العقاري يحتاج إلى قواعد مستقرة وإجراءات سريعة، ورؤية تحمي استثمارات الدولة في البنية الأساسية والمدن الجديدة، قائلًا: «نجاح منظومة البناء يُقاس بقدرتها على توفير عمران آمن ومتوازن، وتحسين حياة المواطنين. نحتاج إلى تسريع الترخيص، وتطوير التشريع، والسماح بالارتفاعات حيث تتوافر مقوماتها، حتى تكون التنمية خطوة حقيقية إلى الأمام».


















